كنيسة الرسل
تقع كنيسة الرسل في مدينة مادبا ضمن المتنزه الأثري، وتُعد واحدة من أبرز الكنائس البيزنطية التي تعكس ازدهار الفن الديني في المدينة خلال القرن السادس الميلادي. يعود تاريخ بنائها إلى عام 578م، وقد عُرف هذا التاريخ من نقش يوناني داخل الكنيسة، يوضح أنها بُنيت في عهد الأسقف سرجيوس تكريمًا للرسل القديسين، كما اكتُشفت آثارها عام 1902 خلال أعمال تنقيب أثرية.
تتميّز الكنيسة بتصميمها على الطراز البازيليكي، حيث تتكوّن من ثلاثة أروقة كانت تفصلها صفوف من الأعمدة، وقد أُعيد استخدام عدد من العناصر المعمارية الرومانية في بنائها، في دلالة واضحة على الاستمرارية المعمارية في المنطقة. ويعكس هذا التخطيط النمط السائد في الكنائس البيزنطية، كما تكشف بقايا الجدران والأساسات عن حجم المبنى وتنظيمه الداخلي.
وتُعد أرضية الكنيسة الفسيفسائية من أهم عناصرها، إذ تُصنّف من أبرز وأجمل الأرضيات المحفوظة في مادبا. وفي وسطها لوحة دائرية مميزة تُجسّد البحر على هيئة امرأة تُعرف باسم “ثلاسّا”، محاطة بعناصر بحرية وزخارف نباتية وحيوانية، في مشهد غني بالتفاصيل يعكس الرمزية الفنية في العصـر البيزنطي. كما تحمل الفسيفساء نقوشًا يونانية تتضمن توقيع الفنان “سلمان من حسبان”، وهو من الأمثلة النادرة التي تُوثّق هوية صانع العمل الفني.
ولا تقتصـر الفسيفساء على هذا المشهد، بل تمتد لتعرض عناصر طبيعية متنوعة من طيور ونباتات وزخارف هندسية متداخلة، ما يمنح الزائر صورة حيّة عن الذوق الفني الذي ميّز مادبا، المدينة التي عُرفت تاريخيًا باسم “مدينة الفسيفساء”، والتي شكّلت مركزًا مهمًا لهذا الفن في المنطقة.
وتقع الكنيسة ضمن مجموعة من المعالم الأثرية المتقاربة، مثل كنيسة الشهداء والقصـر المحترق، في موقع يبرز كثافة الحضور المسيحي والعمراني في مادبا خلال العصـر البيزنطي، ويمنح الزائر فرصة لفهم المشهد الحضري والديني للمدينة في تلك الحقبة.
وتبقى كنيسة الرسل واحدة من المحطات المميزة في مادبا، حيث يمكن للزائر التأمل في تفاصيل الفسيفساء الدقيقة واستكشاف بقايا العمارة البيزنطية، في تجربة تجمع بين الفن والتاريخ وروح المكان.

