عن الكنيسة
تقع كنيسة القديس جيورجيوس للروم الأرثوذكس في قلب مدينة مادبا في المملكة الأردنية الهاشمية، وتُعد من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المنطقة. وقد شُيّد المبنى الحالي عام 1896 فوق بقايا كنيسة بيزنطية أقدم تعود إلى القرن السادس الميلادي، في فترة عُرفت فيها مادبا بازدهار فن الفسيفساء البيزنطي، حيث كانت المدينة مركزًا مهمًا لهذا الفن في بلاد الشام.
تُعرف الكنيسة عالميًا باسم “كنيسة الخارطة”، لاحتضانها في أرضيتها واحدة من أعظم الشهادات البصرية على جغرافية الكتاب المقدس: خريطة مادبا الفسيفسائية. تعود هذه الخريطة إلى النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، وتُعد أقدم خريطة فسيفسائية معروفة للأرض المقدسة وصلت إلى عصرنا. وقد اكتُشفت هذه التحفة التاريخية أثناء أعمال البناء في أواخر القرن التاسع عشر، لتصبح منذ ذلك الحين من أهم الاكتشافات الأثرية المرتبطة بتاريخ الجغرافيا الكتابية.
خارطة مادبا الفسيفسائية
تمتد الخارطة على جزء من أرضية الكنيسة، وتتكون من ملايين القطع الحجرية الصغيرة الملونة التي شكّلت لوحة فسيفسائية واسعة كانت تمتد في الأصل على مساحة تقارب 21 مترًا طولًا و7 أمتار عرضًا. وتُظهر هذه اللوحة مناطق واسعة من الشرق الأدنى، تمتد من لبنان شمالًا إلى دلتا النيل جنوبًا، ومن البحر المتوسط غربًا إلى الصحراء شرقًا، وتضم أسماء ما يقارب 150 مدينة وموقعًا تاريخيًا في المنطقة.
وفي قلب هذه الخريطة تتصدر مدينة القدس المشهد بتفاصيل معمارية دقيقة تُظهر أسوارها وشوارعها ومعالمها الرئيسية كما كانت في العصر البيزنطي، وهو ما جعلها مصدرًا بالغ الأهمية لعلماء الآثار والمؤرخين لفهم جغرافية الأرض المقدسة في العصور المسيحية المبكرة.
الكنيسة بين الإيمان والتاريخ واستقبال الزوار
ومنذ اكتشاف هذه الفسيفساء الفريدة في أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت الكنيسة مقصدًا للحجاج والباحثين والسياح من مختلف أنحاء العالم، حيث يجتمع فيها الإيمان المسيحي الحي مع التراث التاريخي والفن البيزنطي، في مشهد يعكس المكانة التي احتلتها مادبا عبر القرون، والتي عُرفت عالميًا باسم مدينة الفسيفساء.
واليوم تظل الكنيسة مركزًا روحيًا حيًا في حياة الجماعة الأرثوذكسية في مادبا، وفي الوقت ذاته أحد أهم المواقع الدينية والسياحية في الأردن، حيث يلتقي الزائر بتاريخ المسيحية المبكر مع إرث فني فريد حفظ صورة الأرض المقدسة كما رآها الفنانون البيزنطيون قبل ما يقارب خمسة عشر قرنًا.